الوصف

نداءات الرحمن لأهل الإيمان - النداء الثاني عشر (التحذير من طاعة بعض أهل الكتاب حتى لا يفسدوا على المؤمن دينه)

النداء الثاني عشر:

التحذير من طاعة أهل الكتاب

قال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (آل عمران:100-101).

مناسبة الآية لما قبلها:

بعد أن وبَّخ الله تعالى اليهود على خداعهم ومكرهم وتضليلهم للمؤمنين وتوعدهم على ذلك نادى المؤمنين محذرا إياهم من الوقوع في شباك المضللين من اليهود فقال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ"

سبب نزول الآية:

وذلك أن نفرًا من الأوس والخرزج كانوا جالسين في مجلس، يسودهم الود والتصافي ببركة الإسلام، الذي هداهم الله تعالى إليه، فمر بهم شماس بن قيس اليهودي، فآلمه ذلك التصافي والتحابب، وأحزنه بعد أن كان اليهود يعيشون في منجاة من الخوف من جيرانهم الأوس والخرزج، لما كان بينهم من الدمار والخراب، فأمر شاس شابا أن يذكرهم بيوم بعاث: ((موقفة بين الأوس والخرزج وقتال في الجاهلية من أجل إثارة البغضاء والحقد)) فذكروه وتناشدوا الشعر، فثارت الحمية القبلية بينهم، فتسابوا وتشاتموا، حتى هموا بالقتال، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكرهم بالله تعالى وبمقامه بينهم، فهدأوا وذهب الشر، ونزلت هذه الآيات "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ" فحذرهم من مكر أهل المكر من اليهود والنصارى.

المعنى الإجمالي:

اذكر أيها القارئ الكريم أن الله تعالى ما ينادي المؤمنين إلا ليأمرهم بما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم، أو لينهاهم عما فيه خسرانهم وشقاؤهم في دنياهم وأخراهم، أو ليبشرهم بما يزيد حبهم في الله وطاعة له وحبا فيه، أو ليحذرهم وينذرهم بما فيه خطر أو شر، وذلك لأنهم إن اتقوه كانوا أولياءه، وأولياؤه تعالى لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا هو الفوز العظيم.

وها هو ذا تبارك وتعالى ناداهم ليخبرهم محذرا لهم من طاعة بعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإنهم إن أطاعوهم كفروهم بردتهم عن الإسلام، فقال عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" أي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا "إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ" وهم الحاقدون على الإسلام والمسلمين المغتاظون لظهور الإسلام وانتشار نوره في المشرق والمغرب، إن تطيعوهم فيما يزينون لكم ويحسنون من الباطل والكفر الخفي، وفيما يقبحون لكم من أحكام الإسلام، وعباداته، وآدابه، وأخلاقه، بدعوى أنها منافية للديمقراطية والحرية الشخصية، أو أنها تعوق عن التقدم الحضاري، أو أنها كانت فيما مضى صالحة، أما اليوم فنحن في عصر الذرة وغزو الفضاء، فإنها تخلف أصحابها وتقعد بهم دون الحضارة والتقدم. 

هؤلاء وهم طائفة اليهود والنصارى ممن يدعون العلم والمعرفة، وهم يحملون العداء للإسلام وأهله، هؤلاء إن تطيعوهم فتعتقدوا صحة ما يزينون لكم، وتأخذون بما يقدمون لكم من توجيهات وإرشادات ظاهرها أنها في صالحكم وباطنها فيه خزيكم، وذلكم هؤلاء إن تطيعوهم يردوكم بعد إيمانكم كافرين إذا فالحذر الحذر أيها المؤمنون، وخذوا بهذه النصائح القرآنية الغالية، فإنكم تنجون من كيد أعدائكم الماكرين بكم، الطالبين بعدكم عن مصدر عزكم وقوتكم وسيادتكم وقيادتكم.

واعلموا أن في الآية الكريمة بعد هذه مباشرة أكبر حصن لكم، وأعظم سور لمناعتكم من أعدائكم الكائدين لكم من هذا الفريق الذي تقدمت صفاته وهم أهل الحنق والتغيظ على الإسلام وأهله، لشعورهم أن الإسلام هو سبيل النجاة، وأن ما هم عليه من اليهودية أو النصرانية هو طريق الخسران في الدنيا والآخرة. 

وإنما منعهم من الإسلام حب الرئاسة، والمصالح المادية التي يعيشون عليها بين أتباعهم والشهوات المسيطرة على نفوسهم؛ لأن الإسلام يحرم منها ويبعد من ساحتها، لذا هم مصرون على الكفر وتكفير المؤمنين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ومثل هؤلاء بعض رجالات الرافضة في كونهم يبغضون أهل السنة والجماعة، ويبذلون الغالي والرخيص في صرف أهل السنة والجماعة عن سبيل النجاة إلى سبيل الهلاك بالتشيع القائم على تكفير خيرة الأصحاب أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وتحريف معاني آيات الله، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تصحيحا لمذهبهم الباطل، لحمل الأجيال على اعتناقه، ليهلكوا معهم ويحرموا الجنة دار السلام مثلهم؛ لأن الذي يكفر مؤمنا فهو كافر، فما بالك بالذي يكفر من رضي الله عنهم 

وأنزل ذلك في كتابه في قوله: "لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" وهم ألف وأربعمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم العشرة المبشرون بالجنة، فكيف يرضى عنهم اليوم ويخبر برضاه عنهم ويكفرون بعد موت نبيهم، إن هذا اتهام لله (عز وجل) بأنه لا يعلم الغيب وأنه كالإنسان يرضى اليوم ويغضب غدا. وهذا هو الكفر بعينيه كما يقال، فتنبه أيها المؤمن القارئ لهذا النداء.

أما الحصن المانع من الوقوع في الكفر الذي يدعو إليه الحاقدون عن الإسلام من يهود، ونصارى، ورافضة، فهو في قوله تعالى: "وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ" ومعنى هذه الآية: أنه من العجيب أن يكفر مؤمن تتلى عليه آيات الله، وبين يديه رسوله يوجهه ويرشده ويحميه من مظلات الفتن. 

ومعنى هذا: أن المناعة كل المناعة للمؤمن من الزيغ والكفر في العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فعلى المؤمنين أن يحيوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بأن يتعاهدوا في مدنهم وقراهم على الاجتماع كل ليلة في بيوت ربهم من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء يتعلمون الكتاب والحكمة ويعملون بما يعلمون بجد وصراحة وصدق، وذلك طول الحياة فلا يتخلف رجل ولا امرأة ولا طفل إلا معذور بمرض أو تمريض، وأما المسافر فإنه يأتي مسجد أهل البلد الذي سافر إليه ويشهد معهم الصلاتين ويسمع معهم الكتاب والحكمة، ويعمل بهما ويعلمهما، وبذلك يعظم ويفوز.

وأخيرا يخبر تعالى عباده المؤمنين مبشرا لهم بأن من يعتصم بالله أي بكتابه وسنة رسوله فقد هدي إلى صراط مستقيم، فلا يضل ولا يشقى.

إذن فينبغي أن يكون المسلم كَيِّسًا فَطِنًا فلا تفوت عليه ألاعيب الكفرة والفجرة من يهود نصارى وغيرهم بتقليل قيمة الإسلام في أعين المسلمين، وأنه رجعي متخلف، وغير ذلك، وقولهم استهزاء أو سخرية بالإسلام: إن الناس غزوا الفضاء ونحو ذلك مما قد يصل استهزاؤهم إلى الكفر، عيادا بالله من ذلك، وصدق من قال:

يَقُولُونَ فِي الْإِسِلَامِ ظُلْمًا بِأَنَّهُ        يَصُدُّ ذَوْيهْ عَنْ طَرْيقِ التَّقَدُّمِ

فَإْنْ كَانْ ذَنْبُ الْمُسْلِمْ الْيَوْمَ جَهْلُهُ        فَمَاذَا عَلَى الْإسْلَامِ مِنْ جَهْلِ ظَالِمِ

ما يستفاد من الآيات:

1- نداء الله عباده المؤمنين بلفظ الإيمان لإرشادهم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

2- التحذير من الوقوع في حبائل اليهود والنصارى، فيردونهم بعد الإيمان إلى الكفر والضلال.

3- وجوب الاعتصام بالله وكتابه وسنة رسوله، وأن فيهما النجاة والهداية إلى الصراط المستقيم.

4- إنكار الله على عباده المؤمنين طاعة اليهود وبين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتلى عليه آيات الله.

5- الاحتفاظ بالشخصية الإسلامية وطاعة الله ورسوله.