مفاتيح التعامل مع القرآن- من مفاتيح التعامل مع القرآن ( ١٠ - غنى النصوص بالمعانى والدلالات)

مفاتيح التعامل مع القرآن- من مفاتيح التعامل مع القرآن ( ١٠ - غنى النصوص بالمعانى والدلالات)
223 0

الوصف

                                                    من مفاتيح التعامل مع القرآن

                                             ١٠ - غنى النصوص بالمعانى والدلالات

وصف الله كتابه الكريم بأنه مبارك فقال تعالى: (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) [الأنعام: ٩٢] والبركة فى هذا القرآن شاملة عامة، تسرى فى كل نص فيه، وتبرز فى كل موضوع من موضوعاته، وتلحظ فى كل جانب من جوانبه .. ولعل من مظاهر هذه البركة وصورها، البركة فى نصوصه، حيث تجد النص قليلا فى كلماته قصيرا فى عباراته، لكنه غنى فى دلالاته، شامل فى معانيه، عظيم فى توجيهاته، عملاق فى إيحاءاته .

ولهذا كان من أبرز سمات القرآن فى أسلوبه - كما يقول العلامة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز فى كتابه الرائد «النبأ العظيم» - القصد فى اللفظ والوفاء بحق المعنى، ولذلك كل أسلوب القرآن موجز إيجازا قاصدا، لا إطناب فيه ولا حشو ولا استطراد .. وإنك إذا نظرت إليه فستجد «بيانا قد قدّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير» - كما يقول الدكتور دراز- وحتى يتضح لك هذا يدعوك إلى أن تقوم بتمرين عملى على نصوص القرآن: «ضع يدك حيث شئت من المصحف، وعدّ ما أحصته كفك من الكلمات عدا، ثم أحص عدتها من أبلغ كلام تختاره، خارجا عن الدفتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعانى إلى ذاك، ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأى كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك» [النبأ العظيم: ١٠٥].

ويتحدث الإمام سيد قطب عن غنى النصوص بدلالاتها وأصالتها وجمالها فيقول: «إن النص الواحد يحوى مدلولات متنوعة متناسقة فى النص، وكل مدلول منها يستوفى حظه من البيان والوضوح، دون اضطراب فى الأداء أو اختلاط بين المدلولات. وكل قضية وكل حقيقة تنال الحيز الذى يناسبها .. بحيث يستشهد بالنص الواحد فى مجالات شتى، ويبدو فى كل مرة أصيلا فى الموضع الذى استشهد به فيه، وكأنما هو مصوغ ابتداء لهذا المجال ولهذا الموضع! وهى ظاهرة قرآنية لا تحتاج منا إلى أكثر من الإشارة إليها .. » [الظلال: ٣/ ١٧٨٧].

ولا بدّ للقارئ البصير الذى يريد أن يعيش إيحاءات القرآن وظلاله ولطائفه- كما بينا فى المفتاح السابق- أن ينطلق من هذه القاعدة، وأن ينظر له بهذا المنظار، وأن يفتح كنوزه المذخورة بهذا المفتاح، فيتعرض لها ويلحظها ويعيشها ويشير إليها.

الآية التى أوردناها قبل قليل- على سبيل المثال- كم من الدلالات والمعانى يمكن أن تستخرج منها؟ وكم من مظاهر البركة وصورها وألوانها يمكن أن تؤخذ منها؟ - على القاعدة البلاغية «حذف المعمول يفيد العموم» فالقرآن مبارك فى كل شيء، بركة عامة شاملة- إنه مبارك فى مصدره لأنه كلام الله، ومبارك فى مكانه فى اللوح المحفوظ، ومبارك فى حامله جبريل عليه السلام، ومبارك فى من يشيعه من الملائكة، ومبارك فى من تلقاه وهو رسول الله عليه السلام، ومبارك فى من استقر فيه وهو قلب الرسول عليه السلام، ومبارك فى كلماته فهى قليلة فى مبناها غنية فى معناها، ومبارك فى حجمه القصير وعلومه الغزيرة، ومبارك فى علومه ومعارفه - ومكتبة التفسير وعلوم القرآن على طول التاريخ الإسلامى مصداق هذا- ومبارك فى تشريعاته ومناهجه ومبادئه، ومبارك فى رسالته ومهمته وأغراضه، ومبارك فى أثره وتأثيره وآثاره .. إلى غير ذلك من صور البركة التى تجلت فيه ..

يقول سيد قطب عن البركة فى حجمه ومحتواه: «فإن هو إلّا صفحات قلائل بالنسبة لضخام الكتب التى يكتبها البشر، ولكنه يحوى من المدلولات والإيحاءات والمؤثرات والتوجيهات فى كل فقرة منه، ما لا تحويه عشرات من هذه الكتب الضخام، فى أضعاف أضعاف حيزه وحجمه! وإن الذى مارس فن القول عند غيره من بنى البشر وعالج قضية التعبير بالألفاظ عن المدلولات، ليدرك أكثر مما يدرك الذين لا يزاولون فن القول، ولا يعالجون قضايا التعبير .. إن هذا النسق القرآنى مبارك من هذه الناحية- وإن هناك استحالة فى أن يعبر البشر فى مثل هذا الحيز- ولا فى أضعاف أضعافه- عن كل ما يحمله التعبير القرآنى من مدلولات ومفهومات وموحيات ومؤثرات! وإن الآية الواحدة تؤدى من المعنى وتقرر من الحقائق، ما يجعل الاستدلال بها على فنون شتى من أوجه التقرير والتوجيه شيئا متفردا لا نظير له فى كلام البشر .. » [الظلال: ٢/ ١١٤٧].

سورة العصر- على سبيل المثال- من أقصر سور القرآن آياتها ثلاث، ومع ذلك غنية فى معانيها حيث تكتب فيها كتب ومجلدات، وصدق الإمام الشافعى فى وصفها «لو تدبر الناس سورة العصر لوسعتهم».

كم سيخرج القارئ بزاد من المعانى والدلالات، وكم سيستنبط من الحقائق والتوجيهات، وكم سيقف على ثروة من القيم والتقريرات لهذه النصوص، عند ما يتعامل معها على هذا الأساس، إنه سيحتاج إلى صفحات كثيرة ليسجل عليها ما أوحت له بها من إيحاءات ..

(وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦)) [الإسراء: ١٧].

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥)) [المجادلة: ٥].

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)) [الأعراف: ٣٤].

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)) [طه: ١٢٤].